حسن بن موسى القادري
296
شرح حكم الشيخ الأكبر
فإذا عرفت هذا فليس أصعب على المريد من دفع آفة البطن ، وتربية النفس بالجوع فمن شرع في هذا بنفسه فلا يزيد به إلا الداء ويشتد به العماء من حيث لا يشعر فيحتاج إلى شيخ مسلك ذي همّة عالية ومعرفة تامة بتربية النفس وطبيب حاذق في معالجتها ، فإن ظفرت بشيخ من غير الأبدال فخذ بيده ولازمه في كل الأحوال فأرجوا من اللّه لك الوصال . 64 - وإن ظفرت بشيخ من الأبدال ، فأبشر بمنازل الكمال . قوله : ( وإن ظفرت بشيخ من الأبدال ، فأبشر بمنازل الكمال ) يعني إذا وجد بيدك شيخ في مقام الأبدال وظفرت به ، وهم الذين إذا مات منهم واحد يوضع موضعه غيره ممن هو في رتبتهم من خارجهم ، وأيضا كل من كان منهم إذا أراد أن يخلق شخصا مثله يخلقه ويضعه في موضع المصلحة إلى ما شاء اللّه ، فأبشر أيها السالك الظافر بالشيخ المذكور بالمنازل الحاصل فيها الكمال ؛ لأن الشيخ له شروط كثيرة كما مرّ في قوله : ( من لم يأخذ الطريق عن الرجال . . . إلخ ) ، ولا توجد تلك الشروط إلا في الأبدال ، وأمّا غيرهم خصوصا في هذا الزمان ، بل الذين كانوا بعد القرن العاشر ، كما قاله الشيخ عليّ الخواص : « فليسوا موصفين بأوصاف المشيخة ، وقد مالت بهم نفوسهم إلى حب الشهرة التي هي أعظم الآفات ، وتصدوا لأمور في الطريق ما خلقهم اللّه لها ، ولا هم من أهلها ، وأعمى اللّه قلبهم عن طريق الهداية فأكثرهم على هذا » . ومن هنا قيل : أن الطريق من النصف الثاني في القرن العاشر صارت اسما لا رسما ، وترى الناس من المريدين بزي الأشياخ ، فاشتبه على أكثر الناس تميزهم عن المشايخ ، وربما يدّعي أنه أعرف بالطريق من شيخه فكيف بهذا الزمان الذي نحن فيه ؟ ! فإنه وجد الظلم في خواص الناس فضلا عن العوام ، وكثرت الدّعاوي فيهم بغير حق ، وخرجوا بنفوسهم من غير إذن لدعوة الخلق إلى الحق بزعمهم مع أنهم يدعون الخلق إلى غير الحق ، ولا يسمعون قول الحق تعالى على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فصمت آذناهم ، وعميت أعينهم ، فهم يدّعون الوصول مع أنهم في العبودية مفصولون ليس لهم فيها وصول ، ويدّعون الاتّصال وهم عن الحقيقة في الانفصال ، فليس فيهم اجتماع شروط الطريقة ولا في مريديهم ، ولهذا يلقن الواحد منهم ناسا كثيرا ، ولا ينتج منهم واحد لتخرق أدعيتهم فلا يبقى شيء من الآداب